← فهرس الملفّ

تشريح قانون — سلسلة تحليل النصوص القانونية Anatomie d'une loi

وكيل الذكاء الاصطناعي المستقلّ وأركان العقد في القانون المغربي

قراءة في قانون الالتزامات والعقود على ضوء الأتمتة التعاقدية

ذ. خليل الغلبزوري ذ. خليل الغلبزوري المحامي بهيئة تطوان

ملخّص

تنتقل الأتمتة التعاقدية من أنظمة تُنفّذ تعليمة محدَّدة سلفًا إلى وكلاء أذكياء يختارون بأنفسهم الطرف المتعاقد ومضمون التصرّف. وتَخلُص هذه الدراسة إلى أنّ قانون الالتزامات والعقود يستوعب النوع الأوّل دون الثاني: فالفصلان 24 و25، اللذان كانا يُسعفان التعاقد الآلي، مستبعَدان نصًّا في المجال الإلكتروني بمقتضى الفصل 65-2؛ والفصل 880 يشترط في الوكيل تمييزًا وقوى عقلية لا يملكها النظام؛ والفصل 33 لا يجيز إلزام الغير إلّا بوكالة أو نصّ. ونناقش الدعوة إلى استحداث «شخص افتراضي» فنردّها لثلاثة أسباب، أهمّها أنّ الشخصية تُنتج ذمّة مستقلّة تحدّ من المسؤولية بدل أن توسّعها. ونقترح، بدلًا منها، قاعدة نسبة مستمدّة من نظرية الإذن في الفقه الإسلامي ومن حلّ اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 2005.

الكلمات المفتاحية: الوكيل الذكي المستقلّ؛ التراضي؛ نسبة التصرّف؛ الشخصية القانونية؛ المسؤولية المدنية؛ نظرية الإذن؛ قانون الالتزامات والعقود.

RÉSUMÉ

Le droit marocain des obligations appréhende le système automatisé d'exécution, non l'agent intelligent autonome. Les articles 24 et 25 du DOC, qui auraient secouru le contrat automatisé, sont écartés en matière électronique par l'article 65-2 ; l'article 880 exige du mandataire un discernement que le système n'a pas ; l'article 33 n'admet l'imputation à autrui que par mandat ou par la loi. L'étude écarte la création d'une « personne virtuelle » et propose une règle d'imputation inspirée de la théorie de l'autorisation en fiqh et de la Convention des Nations unies de 2005.

Mots-clés : agent intelligent autonome ; consentement ; imputation ; personnalité juridique ; responsabilité civile ; DOC.

زمن القراءة: نحو 22 دقيقة  |  Version française

مقدّمةفي تحديد المحلّ

ظلّ الفقه المغربي، منذ صدور القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، يعالج أثر التقنية في العقد تحت عنوان واحد هو «التعاقد الإلكتروني» (le contrat électronique). وقد أدّى هذا العنوان وظيفته حين كان السؤال منصبًّا على الدعامة (le support): هل يقوم المحرّر الإلكتروني مقام الورقة؟ وهل يقوم التوقيع الإلكتروني مقام التوقيع بخطّ اليد؟

غير أنّ السؤال اليوم انتقل من الدعامة إلى الجهة التي تتّخذ القرار التعاقدي (la décision de contracter). ولم يعد المطروح كيف يُوثَّق العقد، بل من الذي أراده.

ولضبط محلّ هذا البحث ضبطًا دقيقًا، لا بدّ من التمييز بين ثلاث درجات من الأتمتة، يُفضي الخلط بينها إلى خلط في الأحكام:

ثلاث درجات من الأتمتة، وسندُ كلّ واحدة في النصّ

1

الأداة المساعِدة l'outil d'assistance

برنامج يقارن العروض أو يُعِدّ مشروع العقد، ثمّ يقرّر الشخص بنفسه ويوقّع. الإرادة بشرية خالصة، والبرنامج امتداد للقلم.

السند: القواعد العامة للتراضي — الفصل 19. لا إشكال.
2

النظام الآلي المنفِّذ le système automatisé d'exécution

برنامج يُبرم التصرّف تنفيذًا لتعليمة محدَّدة سلفًا: موقع للبيع عن بُعد يؤكّد الطلبات آليًّا، أو أمرٌ بالشراء عند بلوغ سعر معيّن. القرار اتُّخذ سلفًا من إنسان، والآلة تنفّذه حرفيًّا.

السند: الباب الأوّل المكرّر، الفصول 65-1 إلى 65-7 (القانون 53.05). مستوعَبة.
3

الوكيل الذكي المستقلّ l'agent intelligent autonome

نظام يُعطى غاية لا تعليمة، فيختار بنفسه الطرف المتعاقد والشروط والثمن وتوقيت الإبرام، ويتفاوض ويؤدّي، دون أن يمرّ القرار — في لحظة إبرامه — على إرادة بشرية.

ثلاثة موانع نصّية:
  • الفصل 65-2 يستبعد الفصلين 24 و25 — وهما سند التعاقد بواسطة رسول ونظرية إصدار القبول — في المجال الإلكتروني.
  • الفصل 880 يكتفي في الوكيل بالتمييز والقوى العقلية، ولا يشترط أهلية التصرّف؛ وهو الحدّ الأدنى الذي لا يبلغه النظام.
  • الفصل 33 لا يجيز إلزام الغير إلّا بسلطة نيابة من وكالة أو من القانون — والوكالة ساقطة، والنصّ مفقود.
فراغ تشريعي: النتيجة مقصودةٌ بناءً، لا سهوًا في الصياغة

والفارق بين الدرجتين الثانية والثالثة ليس فارقًا في المقدار بل في الطبيعة. ففي الأولى نبحث عن إرادة سابقة نُسند إليها التصرّف فنجدها؛ وفي الثانية قد لا نجد في مضمون التصرّف أثرًا لإرادة بشرية أصلًا. وهنا يبدأ الفراغ.

في المصطلح

استقرّ الاصطلاح الدولي على تسميات ثلاث متقابلة: الوكيل الذكي المستقلّ (agent intelligent autonome / autonomous AI agent)، والذكاء الاصطناعي الوكيلي (IA agentique / agentic AI) وصفًا للصفة لا للكيان، والتجارة الوكيلية (commerce agentique) للمعاملات التي تبادر إليها هذه الأنظمة أو تُتمّها.

وتجدر الإشارة إلى مفارقة اصطلاحية ذات دلالة قانونية مباشرة: لفظ agent في الفرنسية والإنجليزية يحمل أصلًا معناه القانوني، أي النائب أو الوكيل، فيوحي بتكييف لم يقرّه أيّ مشرّع. ولهذا تحاشت النصوص الأوروبية استعماله في موضع الإسناد، ففضّل نظام الذكاء الاصطناعي تحميل الالتزامات على المزوّد (fournisseur) والناشر (déployeur) دون أيّ إحالة على الوكالة. كما اختارت اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 2005 تسمية محايدة تمامًا هي نظام الرسائل الآلي (système de messagerie automatisé) — وهي في تقديرنا التسمية الأصلح للاقتباس في نصّ تشريعي مغربي، لأنّها تصف الوظيفة ولا تستبق التكييف.

وحتى لا يبقى الأمر مجرّدًا، نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر ثلاثة أنظمة من الدرجة الثالثة متاحة اليوم للجمهور: متصفّح Comet التابع لشركة Perplexity، ومتصفّح Atlas التابع لشركة OpenAI بنمطه الوكيلي، ونمط Copilot في متصفّح Edge. وهي أنظمة تقارن الأسعار عبر الصفحات وتملأ النماذج وتُتمّ عمليات الشراء، أي أنّها تباشر فعلًا ما نتحدّث عنه نظريًّا. ونؤكّد أنّ التحليل الآتي معلّق على وصف النظام لا على اسمه، لأنّ هذا الحقل سريع التبدّل، والقاعدة القانونية إنّما تُبنى على الوظيفة لا على المنتَج.

أوّلًاالواقع قبل النصّ

جرت عادة الدراسات القانونية أن تنطلق من النصّ، والأولى في موضوع كهذا أن تنطلق من الواقع، لأنّ النصّ غائب أصلًا.

1. المعطيات العالمية

تُظهر البيانات المتاحة أنّ الانتقال إلى الدرجة الثالثة قد بدأ فعلًا، وإن كان أبطأ ممّا يُشاع. فقد وجد استطلاع أجرته مؤسسة McKinsey أنّ 88 في المائة من المنظمات تستعمل الذكاء الاصطناعي بانتظام في وظيفة واحدة على الأقلّ، وأنّ 62 في المائة منها في طور التجريب مع الوكلاء الأذكياء، بينما 23 في المائة فقط توسّع نظامًا وكيليًّا في أيّ وظيفة.

وتتوقّع مؤسسة Gartner أن تتضمّن 40 في المائة من تطبيقات المقاولات وكلاء أذكياء مخصّصين بحلول نهاية سنة 2026، مقابل أقلّ من 5 في المائة سنة 2025، وأن تُتَّخذ 15 في المائة من قرارات العمل اليومية ذاتيًّا بحلول سنة 2028، مقابل صفر في المائة سنة 2024.

أمّا الرقم الأدلّ على موضوعنا فهو أنّ شركة واحدة من كلّ خمس (21 في المائة) فقط تتوفّر على نموذج حكامة ناضج للوكلاء المستقلّين؛ أي أنّ نحو أربعة أخماس من ينشرون هذه الأنظمة يفعلون ذلك دون بنية تسمح بتدبيرها بأمان. وهذه هي الفجوة عينها التي تعالجها هذه الدراسة، لكن مقيسةً بالأرقام.

وتجدر الإشارة إلى تحفّظ منهجي لا بدّ منه: الأرقام المتداولة في هذا الباب متضاربة لسبب واحد هو اختلاف التعريف. فقد وجدت دراسة أخرى أنّ 59 في المائة من المقاولات «تستعمل الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، لكنّ 9 في المائة فقط تحرز تقدّمًا فعليًّا في مسارات عمل مستقلّة متعدّدة الخطوات؛ كما تذبذبت نسبة النشر في استطلاع فصلي آخر من 42 إلى 26 ثمّ إلى 54 في المائة، وهو تذبذب أُرجع إلى تشدّد المستطلَعين في تعريف «الوكيل» الحقيقي لا إلى عزوفهم عنه.

وهذا التحفّظ لا يُضعف الأطروحة بل يقوّيها: إذا كان أهل الصنعة أنفسهم لا يتّفقون على تعريف الوكيل المستقلّ، فإنّ حاجة القانون إلى تعريف ضابط تصبح أشدّ إلحاحًا لا أقلّ.

2. المعطيات المغربية

لا توجد — في حدود ما أمكن الاطّلاع عليه — أيّ إحصائية مغربية، رسمية أو خاصة، تقيس استعمال الوكيل الذكي المستقلّ تحديدًا. وهذا الغياب معطًى في ذاته، لا نقصٌ في البحث.

أمّا المتاح فيرسم صورة بلد في طور الانتقال. فعلى المستوى المؤسّسي، نُظّم يوم وطني للذكاء الاصطناعي في 12 يناير 2026، قُدّمت خلاله خارطة الطريق «AI made in Morocco»، وأُطلق معهد الجزري «النواة» الذي يتولّى مهمّة الحكامة والتنسيق مع معاهد الجزري الجهوية. وعلى المستوى التشريعي، أعلنت الوزارة المكلّفة بالانتقال الرقمي أنّها تُعِدّ مشروع قانون للإدارة الرقمية يتضمّن أحكامًا خاصة بالذكاء الاصطناعي، مع مراعاة حماية المعطيات الشخصية وأمن المعلومات، إلى جانب مشروع قانون-إطار يهدف إلى وضع المبادئ الأساسية وواجبات الامتثال وآليات التنظيم والضمانات الأخلاقية. ويوجد كذلك مقترح قانون يتعلق بإحداث وكالة وطنية للذكاء الاصطناعي.

وعلى مستوى الاستعمال الفعلي، صنّف مؤشّر دولي المغرب في الرتبة 66 عالميًّا في استعمال إحدى المنصّات التوليدية، ضمن خانة الاستعمال المتوسّط، بمستوى يقلّ قليلًا عمّا هو متوقَّع إحصائيًّا بالنظر إلى حجم السكّان. وتتصدّر الاستعمالات التعليمية المشهد، إذ تشكّل الواجبات الدراسية 11 في المائة من مجموع التفاعلات، بينما تحضر الخدمات القانونية ضمن الاستعمالات المهنية لكن بنسب أقلّ بكثير من قطاعَي المعلوميات والتعليم. وفي التعليم، كشفت دراسة وطنية أنّ الاستعمال الفعلي للذكاء الاصطناعي لا يتجاوز 28 في المائة في الابتدائي و26.5 في المائة في الإعدادي، رغم أنّ 94 في المائة من أساتذة الإعدادي يرون أنّ الرقمنة تحفّز اهتمام التلاميذ. وقد تصدّر المغرب دول المغرب الكبير في مؤشّر الذكاء الاصطناعي المسؤول لسنة 2026، في سياق عالمي سبق فيه لنحو 53 في المائة من سكّان العالم أن استعملوا الأدوات التوليدية.

فالصورة إذن صورة بلد انخرط في الورش من بابه التقني والمؤسّسي، ولم يبلغه بعدُ من بابه العقدي.

الإشكالية

إذا أبرم نظامٌ ذكيّ مستقلّ تصرّفًا قانونيًّا اختار بنفسه طرفه ومضمونه، فهل ينعقد ذلك التصرّف صحيحًا في ظلّ قانون الالتزامات والعقود؟ وإلى مَن يُنسب مضمونه؟ ومن يتحمّل تبعته إذا انحرف؟

تتفرّع عن هذا السؤال محاور ستّة تُشكّل خطّة البحث: انعقاد العقد، ونسبة التصرّف، وعيوب الرضا، والمسؤولية، والإثبات، وحماية المستهلك. والفرضية التي ننتهي إليها أنّ القانون المغربي لا يمنع هذا التصرّف ولا يؤسّسه؛ وأنّ الحلّ ليس في استحداث شخص جديد، بل في إقرار قاعدة نسبة.

المحور الأوّلانعقاد العقد

1. التراضي ومبدأ الفصل 19

ينصّ الفصل 19 من قانون الالتزامات والعقود على أنّ الاتفاق لا يتمّ إلّا بتراضي الطرفين على العناصر الأساسية للالتزام (les éléments essentiels de l'obligation) وعلى باقي الشروط المشروعة التي يعتبرها الطرفان أساسية.

والملاحَظ أنّ النصّ يشترط التراضي ولا يشترط صراحةً أن يكون التعبير عنه صادرًا مباشرة عن الشخص. وهذا مدخل أوّل لمن يقول إنّ إرادة الوكيل الذكي هي إرادة مستعمِله: فمالك النظام أراد الغاية وأراد استعمال الوسيلة، فتُنسب إليه نتائجها بوصفها امتدادًا لإرادة عامة بالالتزام (une volonté générale d'engagement).

غير أنّ هذا التحليل يصمد في الدرجة الثانية ويتصدّع في الثالثة. ذلك أنّ الفصل 19 لا يتحدّث عن رضًا مجرَّد، بل عن تراضٍ على العناصر الأساسية. فإذا كان النظام هو الذي حدّد المبيع والثمن والأجل، فأين انصبّت إرادة صاحبه على هذه العناصر بالذات؟ لقد أراد التفويض (la délégation) ولم يُرِد المضمون. والقول بأنّ التفويض يستغرق المضمون قولٌ يحتاج إلى سند نصّي لا إلى استحسان.

2. الإيجاب والقبول

يقوم بناء الفصول 20 إلى 31 على تصوّر مركزي: طرف يُصدر إيجابًا فيبقى ملزَمًا به مدّة، وطرف يُصدر قبولًا مطابقًا (une acceptation conforme)، ولكلّ منهما تمثّل ذهني (une représentation mentale) لمضمون ما يلتزم به.

وفي هذا البناء مقتضيان يبدوان لأوّل وهلة سندًا للتعاقد الآلي. فالفصل 24 يجعل العقد الحاصل بالمراسلة تامًّا في الوقت والمكان اللذين يردّ فيهما من تلقّى الإيجاب بقبوله — وهي نظرية إصدار القبول (la théorie de l'émission) لا نظرية علم المُوجِب به (la théorie de l'information) — بل إنّ فقرته الثانية تتحدّث صراحةً عن العقد الحاصل بواسطة رسول أو وسيط. والفصل 25 يذهب أبعد، إذ يجعل العقد تامًّا بمجرّد شروع الطرف الآخر في تنفيذه، حين لا يكون الردّ بالقبول مطلوبًا من المُوجِب أو لا يقتضيه العرف التجاري.

غير أنّ هذا السند ينهار عند التطبيق، لسبب حاسم قلّما يُنتبه إليه: الفصل 65-2 يستبعد صراحةً تطبيق الفصول من 23 إلى 30 والفصل 32 على العقد المبرم بشكل إلكتروني أو الموجَّه بطريقة إلكترونية. فالفصلان 24 و25 — وهما بالضبط ما كان يُسعف — لا يسريان على المجال الذي يشتغل فيه الوكيل الذكي. والنتيجة أنّ نظرية إصدار القبول تُنقذ التعاقد الآلي في الفضاء التقليدي، وتُمنع من إنقاذه في الفضاء الذي يقع فيه فعلًا.

3. حدود القانون 53.05

أدرج القانون رقم 53.05 في قانون الالتزامات والعقود بابًا أوّل مكرّرًا عنوانه «العقد المبرم بشكل إلكتروني أو الموجَّه بطريقة إلكترونية»، هو الفصول 65-1 وما يليها. فالفصل 65-1 يُخضع صحّة هذا العقد لأحكام الباب الأوّل من القسم نفسه، مع مراعاة أحكام الباب الجديد؛ والفصل 65-2 يستبعد الفصول 23 إلى 30 والفصل 32 كما تقدّم؛ والفصل 65-3 يجيز استخدام الوسائل الإلكترونية لوضع عروض تعاقدية رهن إشارة العموم؛ والفصل 65-4 يُلزم المهني بوضع الشروط التعاقدية رهن الإشارة؛ والفصل 65-5 يشترط لصحّة الإبرام أن يكون من أُرسل إليه العرض قد تمكّن من التحقّق من تفاصيل إذنه ومن سعره الإجمالي ومن تصحيح الأخطاء المحتملة، وذلك قبل تأكيد الإذن.

وقراءة الفصل 65-5 قراءةً غائية تكشف الافتراض الذي يقوم عليه الباب كلّه: وجود إنسان أمام الشاشة. فالتحقّق من التفاصيل وتصحيح الأخطاء قبل التأكيد (le double clic) لا معنى له إلّا إذا كان ثمّة من يقرأ ويتردّد ويصحّح؛ إذ يفترض النصّ متعاقدًا قابلًا للانتباه والغفلة. فإذا كان الطرف نظامًا آليًّا انتفت العلّة وبقي النصّ بلا موضوع.

وهنا تظهر المفارقة في تمامها: المشرّع المغربي استبعد القواعد العامة التي كانت تُسعف التعاقد الآلي، ووضع مكانها قواعد مبنية على حضور إنسان. فالفراغ ليس سهوًا في الصياغة، بل نتيجةُ بناءٍ: القانون 53.05 نظّم الوسيلة وافترض الفاعل.

4. المخرج المقارن

في مقابل ذلك، حسمت اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 2005 المتعلقة باستعمال الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية المسألة من زاوية النتيجة لا من زاوية الإرادة: فالعقد المبرم بواسطة نظام رسائل آلي لا تُنفى صحّته لمجرّد أنّ أحدًا من الأشخاص الطبيعيين لم يراجع التصرّفات التي قام بها النظام ولا العقد الناتج عنها.

وهي صياغة براغماتية: لا تمنح النظام إرادة ولا شخصية، بل تمنع الاحتجاج بانعدام المراجعة البشرية سببًا للبطلان. وهي في تقديرنا النموذج الأنسب للاقتباس، لأنّها تُبقي المسؤولية كاملة في ذمّة المستعمِل بدل أن تفتح بابًا سنبيّن خطورته في المحور الموالي.

انعقاد العقد المبرم بوكيل ذكي مستقلّ ليس ممتنعًا في القانون المغربي، لكنّه غير مؤسَّس. والأدهى أنّ ما كان يمكن أن يُتّخذ سندًا — نظرية إصدار القبول والتعاقد بواسطة رسول — مستبعَدٌ نصًّا في المجال الإلكتروني بمقتضى الفصل 65-2.

المحور الثانينسبة التصرّف: هل نحن أمام صنف ثالث؟

1. قصور التقسيم الثنائي

المبدأ في القانون المغربي أنّ الالتزامات لا تُلزم إلّا أطرافها، وقد أورد الفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود استثناءاته المعروفة. والسؤال الأوّل: هل الوكيل الذكي «غير» (un tiers) بالنسبة إلى العقد؟

الجواب بالنفي، لا لأنّه طرف، بل لأنّ صفة الغير تفترض هي الأخرى شخصًا قانونيًّا. فالنظام ليس طرفًا ولا غيرًا؛ إنّه خارج التصنيف كلّه. وهذه أوّل ملاحظة جوهرية: التقسيم الثنائي الذي بُني عليه قانون الالتزامات والعقود لا يتّسع لكيان ثالث فاعلٍ بلا شخصية.

ويُكمّل هذا المبدأ الفصل 33، الذي يقرّر أنّه لا يحقّ لأحد أن يُلزم غيره ولا أن يشترط لصالحه إلّا إذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة أو بمقتضى القانون. فالنسبة إلى شخص آخر لا تقوم في القانون المغربي إلّا بسندٍ من أحد أمرين: وكالة أو نصّ. وإذا سقطت الوكالة — كما سنبيّن — لم يبقَ إلّا النصّ، وهو المفقود. وفي هذا وحده حجّة كافية لاقتراحنا الختامي.

2. الآليات الكلاسيكية واختبارها

طوّر الفقه المدني ترسانة كاملة لحالات يتصرّف فيها شخص في شأن غيره، وأنفعها هنا التمييز بين الرسول والوكيل (le nuncius et le mandataire): فالرسول ينقل إرادة تكوّنت كاملة عند غيره، والوكيل يكوّن إرادة خاصة به في حدود التفويض. وقد سبق أنّ الفصل 24 يذكر الرسول والوسيط صراحةً.

وهنا مفاجأة نصّية تستحقّ الوقوف عندها. فقد يُظنّ أنّ العقبة أمام تكييف الوكيل الذكي وكيلًا هي انعدام أهليته للتعاقد؛ والحال أنّ الفصل 880 لا يشترط في الوكيل أهلية إجراء التصرّف أصلًا، بل يكتفي بأن يكون متمتّعًا بالتمييز وبقواه العقلية، ولو لم تكن له صلاحية إجراء التصرّف في حقّ نفسه، حتى إنّه يسوغ للشخص أن يجري باسم الغير ما لا يستطيع أن يجريه بالأصالة عن نفسه.

فالمشرّع المغربي تسامح في الأهلية، ولم يتسامح في التمييز والقوى العقلية. وهذا هو موضع العجز بالضبط: العقبة ليست أنّ النظام لا يملك ذمّة، بل أنّه لا إدراك له بالمعنى الذي أراده الفصل 880، مهما بلغت قدرته الحسابية. فالوكيل الذكي يسقط بين التكييفين: هو أكثر من رسول لأنّه يكوّن مضمون التصرّف لا ينقله، وأقلّ من وكيل لأنّ الحدّ الأدنى الذي اشترطه النصّ في الوكيل ليس متحقّقًا فيه.

وما يقال في الوكالة يقال في التعهّد عن الغير (la promesse de porte-fort) والاشتراط لمصلحة الغير (la stipulation pour autrui) المنصوص عليه في الفصل 34، إذ يفترض كلاهما غيرًا قادرًا على الإجازة أو القبول. وحتى الفضالة (la gestion d'affaires)، وهي أطرف الفرضيات، تصطدم بأنّ الفضولي شخص تُشترط فيه نيّة العمل لحساب الغير. فهذه الآليات تنهار جميعًا عند نقطة واحدة لا عند نقاط متفرّقة: افتراض وسيط ذي إرادة معتبَرة.

3. مقوّمات الشخصية واختبار الوكيل الذكي عليها

انتهى الفقه إلى أنّ الشخصية القانونية (la personnalité juridique) تنهض على مقوّمات ستّة: الاسم، والموطن، والذمّة المالية (le patrimoine)، والأهلية (la capacité)، والنيابة (la représentation)، وحقّ التقاضي.

وبعرض الوكيل الذكي عليها نجد الاسم متصوَّرًا عبر معرّف رقمي فريد، والموطن عبر مكان التسجيل أو مقرّ الناشر، والذمّة عبر رصيد مخصَّص أو تأمين إجباري، والنيابة وحقّ التقاضي عبر ممثّل يُعيَّن كما يُعيَّن مسيّر الشركة. أمّا الأهلية — أو بتعبير الفصل 880 التمييز والقوى العقلية — فلا.

خمسة من ستّة مقوّمات قابلة للتحقّق، والمقوّم السادس — وهو بالضبط ما يحتاجه العقد — مستحيل. والشخصية حينئذ قِشرة بلا لبّ: كيان له اسم وذمّة وممثّل، لكنّه لا يريد.

4. في نقد قياس الشخص المعنوي

يستند أنصار الصنف الثالث إلى حجّة تاريخية: القانون منح الشخصية لكيان لا وجود له حسًّا استنادًا إلى نظرية المجاز (la théorie de la fiction)، لمجرّد حاجة عملية. فإن جاز ذلك للشركة فما المانع من الوكيل الذكي؟ ويعزّز ذلك فقهٌ معاصر يرى الشخصية القانونية مفهومًا مرنًا ذا طابع سياسي، تطوّر عبر التاريخ ومُنح حتى لكيانات متخيَّلة كالشركات.

والردّ أنّ القياس مقلوب. فالشخص المعنوي ليس سابقة صالحة، لأنّ إرادته بشرية. الشركة لا تريد؛ تريد عنها أجهزتها (ses organes) من أشخاص ذاتيين. فالشخصية المعنوية تقنية تجميع (une technique d'agrégation) لذمم وإرادات بشرية في وحدة قانونية واحدة، لا تقنية توليد لإرادة من العدم.

والوكيل الذكي هو النقيض التامّ: له سلوك بلا إرادة، بينما للشركة إرادة بلا جسد. فمنح الشخصية للشركة سدّ فراغًا في التمثيل؛ ومنحها للوكيل الذكي يُراد به سدّ فراغ في الإرادة، وهو ما لا تصنعه الشخصية لأنّها أثر لا سبب.

5. مدخل من الفقه الإسلامي: نظرية الإذن

يقدّم الفقه الإسلامي هنا ما لا تقدّمه الأدبيات الغربية: آلية لتصحيح تصرّف صادر عمّن لا أهلية كاملة له، دون منحه شخصية.

فالفصل 7 من قانون الالتزامات والعقود، في شأن القاصر المأذون له إذنًا صحيحًا في التجارة والصناعة، وهو مقتضًى مستمدّ في أصله من فقه المعاملات، يقيم بناءً ثلاثيًّا: إذن سابق (une autorisation préalable) محدَّد النطاق، وتصرّف يقع في حدوده، وذمّة يرجع إليها الدائن. وأثر الإذن أنّ المأذون له لا يملك طلب إبطال التعهّدات التي تحمّل بها بسبب تجارته في حدود الإذن الممنوح له، وأنّ الإذن يشمل الأعمال الضرورية لتعاطي التجارة، مع إمكان إلغائه دون أثر على الصفقات التي شُرع فيها قبل الإلغاء.

فهذا البناء يوفّر بالضبط ما نحتاجه: نسبة بلا شخصنة (imputation sans personnification). فالإذن هو الذي يصحّح التصرّف لا الأهلية، والذمّة الراجَع إليها ذمّة الآذن لا ذمّة المأذون. ويسند ذلك أصلان مقرَّران هما «الخراج بالضمان» و«الغُنم بالغُرم»، ومؤدّاهما أنّ من انتفع بشيء تحمّل تبعته.

ويُضاف أنّ نظرية الذمّة في الفقه طُوّرت لأغراض المعاوضة والضمان لا للاعتراف بكينونة، وهو ما يعزّز نقدنا السابق: الذمّة أداة توزيع تبعات، لا شهادة وجود. ومزيّة هذا المدخل مزدوجة: انسجامه مع مرجعية الفصل الأوّل من قانون الالتزامات والعقود عند قصور النصّ، وكونه يجعل الإسهام المغربي أصيلًا لا منقولًا.

6. الشخصية درعٌ لا ضمان

وهذه في تقديرنا الحجّة الحاسمة، وهي قليلة الحضور حتى في الأدبيات الدولية. يُطالَب بالشخصية باسم حماية المتضرّر، والحال أنّ الشخصية تستتبع ذمّة مستقلّة، والذمّة المستقلّة تستتبع مسؤولية محدودة (une responsabilité limitée). والشركة خير شاهد: مُنحت الشخصية فحُميت من ورائها الذمم الفردية للشركاء.

فمنح الشخصية للوكيل الذكي ليس توسيعًا لدائرة الضمان بل درعًا للمطوّرين والناشرين: تُقصر مطالبة المتضرّر على ذمّة اصطناعية محدودة، وتُغلق في وجهه دعوى الرجوع على من صنع النظام وانتفع به. وقد نبّه فقهٌ معاصر إلى الوجه الآخر للخطر: منح الشخصية يحوّل «الإسناد الأخلاقي إلى الغير» من حيلة لغوية إلى استراتيجية قانونية، إذ ينتقل النظام من وصف المنتَج إلى وصف الكائن، فيَحرم المتضرّرين من دعوى المسؤولية عن المنتجات المعيبة.

وهذه الملاحظة بالغة الأهمية في القانون المغربي بالذات، لأنّ قانون الالتزامات والعقود يتضمّن بابًا خاصًّا بالمسؤولية المدنية الناجمة عن المنتوجات المعيبة (الفصول 106-1 وما يليها، المضافة بمقتضى القانون رقم 24.09)، يبدأ بقاعدة صريحة: يُعتبر المنتِج مسؤولًا عن الضرر الناتج عن عيب في منتوجه. وهو الأساس الذي نبني عليه في المحور الرابع، والذي يُهدَم بمجرّد الاعتراف بالشخصية.

7. ضابط المنح

عرفت تجارب مقارنة نقاشات حول منح الشخصية لكيانات غير بشرية غير الشركات، كالأنهار والغابات في بعض الأنظمة. وفائدة المقارنة أنّها تكشف الضابط: الشخصية تُمنح حين يكون المطلوب حماية الكيان نفسه ممّن حوله، فيُعطى ممثّلًا يخاصم باسمه؛ ولا تُمنح حين يكون المطلوب حماية الناس منه، إذ يكون الحلّ حينئذ في تشديد النسبة إلى من يسيطر عليه لا في تجزئتها. والوكيل الذكي من الصنف الثاني قطعًا: لا أحد يطلب حمايته، وإنّما يُطلب ضبط تبعته.

8. معيار السيطرة والانتفاع

بدلًا من الجدل النظري حول الشخصية، نقترح معيارًا عمليًّا مركّبًا لنسبة التصرّف يقوم على ثلاثة عناصر متدرّجة: من نشر النظام، ومن انتفع بالتصرّف، ومن كان يملك القدرة على وقفه. فإذا اجتمعت الثلاثة في شخص واحد فالنسبة إليه قاطعة؛ وإذا تفرّقت وُزّعت المسؤولية بين المطوّر والناشر والمستعمِل بحسب نصيب كلّ منهم من السيطرة والانتفاع.

المحور الثالثعيوب الرضا

إذا سلّمنا بانعقاد العقد ونسبته، بقي السؤال عن صحّته: ما الحكم إذا انحرف النظام عن التعليمة أو ولّد معطًى غير صحيح فتعاقد على غير المطلوب؟ هل هذا غلط مبطِل بمفهوم قانون الالتزامات والعقود؟ وغلط مَن؟

وقد قدّم الاجتهاد المقارن هنا سابقته المرجعية في قضية Quoine Pte Ltd ضدّ B2C2 Ltd أمام القضاء السنغافوري سنة 2020. فقد أبرمت برامج تداول خوارزمية صفقات بسعر يفوق سعر السوق نحو 250 مرّة بسبب خلل، فحاول المشغّل إلغاءها متمسّكًا بالغلط المنفرد (l'erreur unilatérale). ورفضت الأغلبية ذلك بعلّة أنّ الصفقات أُبرمت تنفيذًا لبرامج خوارزمية حتمية (déterministes) اشتغلت تمامًا كما بُرمجت. والأهمّ أنّ المحكمة بحثت إمكان قيام الوكالة القانونية ثمّ رفضتها، واتّجهت بدلًا من ذلك إلى تقييم نيّة المبرمِج وعِلمه لحظة البرمجة.

هذه السابقة تسند مقولتنا في المحور الثاني، مع فارق حاسم: النظام هناك كان حتميًّا، والوكيل المستقلّ ليس كذلك. فمنطق «إرجاع العلم إلى المبرمِج» ينهار حين لا يكون المخرَج قابلًا للاستنتاج من المدخل — وهو تعريف الدرجة الثالثة بعينه.

المحور الرابعالمسؤولية

حين يعجز الأساس العقدي، يبقى الأساس التقصيري. ويوفّر قانون الالتزامات والعقود ثلاثة مداخل: الفصل 88 الذي يجعل كلّ شخص مسؤولًا عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته متى ثبت أنّها السبب المباشر للضرر؛ والفصل 85 الذي يقرّر المسؤولية عن فعل الأشخاص الذين هم في عهدة المسؤول؛ والفصول 106-1 وما يليها في المسؤولية عن المنتوجات المعيبة.

ولكلّ مدخل حدّه. فالفصل 88 يفترض «شيئًا» في الحراسة، وهو أقرب المداخل إلى الوكيل الذكي وأصلحها له، لأنّه لا يشترط في الشيء إرادة ولا شخصية، بل يُنيط المسؤولية بالحراسة أي بالسيطرة. والفصل 85 يفترض «أشخاصًا في العهدة»، وهو ما لا ينطبق. والفصول 106-1 وما يليها تفترض «منتوجًا» و«منتِجًا»، وهو تكييف صالح في مواجهة المطوّر دون الناشر.

وهذا المسار هو عينه الذي سلكه المشرّع الأوروبي بعد تعثّره. فقد سحبت المفوّضية مقترح توجيه المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي (Directive sur la responsabilité en matière d'IA)، بعد أن كانت قد تخلّت من قبلُ عن فكرة «الشخصية الإلكترونية» (personnalité électronique) التي طرحها البرلمان الأوروبي سنة 2017، فبقي الاتحاد بلا نصّ خاصّ واتّكأ على القواعد العامة.

وفي المقابل، أعاد التوجيه (UE) 2024/2853 المتعلق بالمسؤولية عن المنتجات المعيبة تعريف «المنتَج» ليشمل صراحةً البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، مع الإبقاء على المسؤولية الموضوعية (responsabilité sans faute)، وإقرار قرائن تخفّف عبء الإثبات على المتضرّر، وواجب إفصاح (obligation de divulgation) أمام القضاء، ومنع الإعفاء منه اتفاقيًّا. وعلى الدول الأعضاء نقله إلى قوانينها في أجل أقصاه 9 دجنبر 2026.

أوروبا، إذ عجزت عن تكييف الوكيل الذكي شخصًا، كيّفته منتَجًا. وهو خيار قابل للنقل إلى القانون المغربي بالنظر إلى وجود باب المسؤولية عن المنتوجات المعيبة فيه أصلًا.

الاجتهاد القضائي المقارن

اتّجه القضاء المقارن في الاتجاه نفسه، وإن اقترب من المسألة من أطرافها لا من قلبها. ويلخّص الجدول الآتي أهمّ ما صدر:

القضيةالجهة والسنةالقاعدة المستخلَصة
Quoine c. B2C2 سنغافورة، 2020 لا غلط مبطِل حين تشتغل الخوارزمية الحتمية كما بُرمجت؛ ورفض تكييف الوكالة، مع إرجاع العلم إلى المبرمِج.
Moffatt c. Air Canada كندا، 2024 ردّ الدفع بأنّ روبوت المحادثة كيان قانوني مستقلّ، ووُصف بأنّه دفعٌ لافت؛ ومسؤولية الشركة عن التصريح الخاطئ بإهمال.
Mobley c. Workday الولايات المتحدة، 2024 إعمال منطق الوكالة لمساءلة مزوّد أداة الفرز الآلي بوصفه وكيلًا عن المقاولة التي فوّضت إليه الوظيفة.
Amazon c. Perplexity الولايات المتحدة، الدائرة التاسعة، 4 غشت 2026 حين يكلّف المستعمِل وكيلًا ذكيًّا بالتصرّف نيابة عنه، فالمستعمِل هو من ولج لا الشركة المطوّرة — مع تنبيه إلى أنّ الحلّ قد يختلف مع وكلاء أشدّ استقلالًا.
LG München I ألمانيا، 2026 مسؤولية مباشرة عن تصريحات كاذبة في ملخّصات مولَّدة، بعلّة أنّها محتوى الشركة الخاصّ لا قائمة نتائج محميّة.
SCHUFA محكمة العدل للاتحاد الأوروبي، 2023 التنقيط الائتماني الآلي قرارٌ فرديّ آليّ متى اعتمد عليه الغير اعتمادًا حاسمًا — تفسير جدير بالاستئناس به عند تطبيق القانون 09.08.

أمّا تشريعيًّا، فقد سُدّ الباب صراحةً في كاليفورنيا بنصّ يمنع من طوّر نظامًا ذكيًّا أو عدّله أو استعمله من الدفع بأنّ النظام تسبّب في الضرر باستقلال عنه.

استقرّ الاجتهاد المقارن على قاعدتين: لا شخصية مستقلّة للنظام، والتصرّف يُنسب إلى من نشره وانتفع به. لكنّه لم يحسم بعدُ مضمون التصرّف حين يختاره النظام بنفسه، ولم يُعرض على القضاء المغربي نزاعٌ من هذا القبيل إلى اليوم.

المحور الخامسالإثبات

إذا انتفت الشخصية عن الوكيل الذكي، طُرح سؤال إجرائي لم نجد من أثاره في السياق المغربي: مَن يُختصم؟ ومن يتحمّل عبء إثبات ما فعله النظام؟

والأدوات متوفّرة جزئيًّا: الفصلان 417-1 و417-2 في شأن الوثيقة المحرَّرة على دعامة إلكترونية، والفصل 417-3 الذي يفترض الوثوق في الوسيلة المستعملة في التوقيع الإلكتروني متى أتاحت استخدام توقيع إلكتروني مؤهَّل إلى أن يثبت ما يخالف ذلك، إضافةً إلى القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية. لكنّ الدليل الحاسم في نزاعات الوكلاء ليس التوقيع، بل السجلّات التقنية (les journaux d'activité) التي تُظهر ما تلقّاه النظام وما قرّره ومتى.

والمشكلة أنّ هذه السجلّات في حيازة من يُخاصَم. ولذلك نقترح إقرار قرينة قضائية مفادها أنّ امتناع من يسيطر على النظام عن تقديم سجلّاته يُفسَّر لمصلحة المتضرّر — وهي القرينة عينها التي اتّجه إليها المشرّع الأوروبي حين فرض واجب الإفصاح في التوجيه المتعلق بالمنتجات المعيبة.

المحور السادسحماية المستهلك

تفترض الأدبيات كلّها أنّ المقاولة هي من تنشر الوكيل. ونقترح عكس الفرضية: مستهلك يفوّض وكيلًا ذكيًّا بالشراء نيابة عنه. وحينها تُطرح أسئلة بكرٌ على القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك:

هل يبقى واجب الإعلام (l'obligation d'information) قائمًا تجاه من لا يقرأ؟ وبأيّ معيار تُقاس الشروط التعسّفية (les clauses abusives): بمعيار المستهلك المتوسّط أم بمعيار النظام؟ ومتى يبدأ سريان أجل التراجع (le droit de rétractation) إذا لم يعلم المستهلك بالتعاقد إلّا بعد وقوعه؟

والاتحاد الأوروبي يتقدّم في هذا الاتجاه: فقد أصبح على البائعين عن بُعد، ابتداءً من 19 يونيو 2026، توفير زرّ تراجع واضح على الخطّ في جميع العقود المبرمة عن بُعد؛ وينتظَر أن تقدّم المفوّضية في الفصل الأخير من سنة 2026 مشروع قانون الإنصاف الرقمي (Digital Fairness Act)، الذي سيتناول الأنماط المضلّلة (dark patterns) والتصميم الإدماني والتخصيص والتسعير غير المنصف وروبوتات المحادثة في التفاعل مع المستهلك، مع مراجعة بعض واجبات الإعلام في العقود. أي أنّه سيتدخّل على مستوى الواجهة والعقد، لا على مستوى النظام كما فعل نظام الذكاء الاصطناعي.

ويُضاف إلى ذلك مقتضى نراه أقرب النصوص المغربية القائمة إلى موضوعنا، وهو ما يتضمّنه القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي في شأن القرار المتّخذ بناءً على معالجة آلية.

ملحقسياق أوروبي جدير بالملاحظة

تجدر الإشارة، إتمامًا للصورة، إلى أنّ نظام الذكاء الاصطناعي الأوروبي (Règlement (UE) 2024/1689) عرف تعثّرًا في التنفيذ، فصدرت «الحزمة الرقمية الجامعة» (Digital Omnibus) بوصفها النظام (UE) 2026/1744، المنشور في الجريدة الرسمية في 24 يوليوز 2026 والنافذ منذ 27 منه، مؤجّلةً التزامات الأنظمة عالية المخاطر المستقلّة إلى 2 دجنبر 2027 والمدمجة في منتجات إلى 2 غشت 2028. وكان السبب المعلَن عمليًّا لا سياسيًّا: تأخّر هيئات التقييس الأوروبية في إنجاز المعايير التقنية المنسّقة.

وفي هذا عزاء ودرس معًا: إذا كان الاتحاد الأوروبي، بكلّ إمكاناته، قد عجز عن مواكبة الإيقاع، فإنّ التأخّر ليس عيبًا مغربيًّا خالصًا. لكنّ الفارق أنّ الفراغ هناك فراغ مقصود بعد مداولة، وعندنا فراغ لم يُطرح بعد.

خاتمةما العمل؟

ينتهي هذا البحث إلى أنّ قانون الالتزامات والعقود، بصياغته الحالية، يستوعب النظام الآلي المنفِّذ ولا يستوعب الوكيل الذكي المستقلّ. فالعقد ينعقد لحظةً ولا يُنسب مضمونًا، والمسؤولية تجد مأخذها في القواعد العامة دون أن تجد أساسها في قاعدة خاصة.

ولا موجب لاستحداث «شخص افتراضي» في القانون المغربي، لا لأنّ الفكرة مستحيلة نظريًّا — فالقانون صنع الشخص المعنوي من قبل — بل لثلاثة أسباب مجتمعة: أنّ الشخصية لا تُنشئ إرادة وما ينقص الوكيل هو الإرادة لا التمثيل؛ وأنّ الشخصية تُنتج ذمّة مستقلّة تحدّ من المسؤولية بدل أن توسّعها فتنقلب الحماية إفلاتًا؛ وأنّ الفقه الإسلامي يقدّم عبر نظرية الإذن بديلًا أنجع يقوم على تصحيح التصرّف بالإذن ورجوع الدائن إلى ذمّة الآذن.

المقترح: قاعدة نسبة تُدرَج في قانون الالتزامات والعقود

«يُنسب إلى من نشر نظامًا آليًّا وانتفع بتصرّفه كلُّ تصرّف صادر عنه في حدود الغاية التي نُشر لأجلها، مهما بلغت درجة استقلاله، ولو لم يُراجعه شخص طبيعي. ولا يُحتجّ بانعدام المراجعة البشرية سببًا لبطلان التصرّف أو لدفع المسؤولية عنه.»

مع مقتضًى موازٍ في مشروع القانون-الإطار المتعلق بالذكاء الاصطناعي يُلزم ناشر النظام بحفظ سجلّاته وتقديمها عند النزاع.

وهي صياغة تجمع بين حلّ اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 2005، الذي يمنع نفي صحّة العقد لمجرّد غياب المراجعة البشرية، وبين المنع الكاليفورني للدفع باستقلال النظام، وتستند في أصلها إلى قاعدة «الغُنم بالغُرم».

وأخيرًا، لا يفوتنا أنّ لهذا الورش أثرًا مباشرًا على مهنة المحاماة: فالعقد الذي يُبرمه نظام يُنتج نزاعًا لا يُقرأ بأدوات المرافعة وحدها، بل يحتاج إلى من يُحسن قراءة السجلّات التقنية ومساءلة بنية القرار الآلي. وهي كفاية جديدة على المهنة أن تكتسبها قبل أن يفرضها عليها أوّل ملفّ.

ذيلجدول المصطلحات

العربيةالفرنسيةالإنجليزية
الوكيل الذكي المستقلّagent intelligent autonomeautonomous AI agent
الذكاء الاصطناعي الوكيليIA agentiqueagentic AI
التجارة الوكيليةcommerce agentiqueagentic commerce
نظام الرسائل الآليsystème de messagerie automatiséautomated message system
المزوّد / الناشرfournisseur / déployeurprovider / deployer
الشخصية الإلكترونيةpersonnalité électroniqueelectronic personhood
قاعدة النسبةrègle d'imputationrule of attribution
المسؤولية الموضوعيةresponsabilité sans fautestrict liability
الغلط المنفردerreur unilatéraleunilateral mistake
السجلّات التقنيةjournaux d'activitélogs